قصة_قصيرة ... بعد_الخمسين** بقلم**يسري_ربيع_داود
الإضافة الثانية في الرابطة
دبت الحياة في القرية الرابضة على ضفاف النيل ، ومع اشراقة الشمس صاحت الديكة وضجت شوارع القرية بالحركة ، كل واحد من أبناء القرية لا يملك رفاهية النوم للضحى ؛ بل شمّر الجميع ساعده لمواجهة الحياة ، ويفتح ذراعيه لينال البركة في الرزق ، وفي زحمة السائرين يتحرك سعيد كعادته ساحبا مواشيه للحقل ، وخلفه زوجته تجد الخطى وفي يدها منديل الفطور ... يلقي التحايا على الرائح والغادي ... كل القرية تعرفه بالجد والاجتهاد ... تعود منذ صغره على هذا الروتين. وتعوّد ان
تلفح الشمس وجهة صبيحة كل يوم فيبتسم لها حتى لا تهزمه بأشعتها القاسية .... وفي الشتاء يزيح الرياح والمطر والعواصف جانبا بكل اباء لتستمر الحياة .. يواجه الحياة بتحدٍ ... ويفتح صدره لها ... لا تهمه الصعاب ولا ترهبه المصائب ...واذا أحس بالهزيمة أو بالخور يتذكر أولاده وزوجته ... لا يجب أن تهتز يا بطل ... لا يجوز أن تتعب .. ولا يحق لك أن تمرض ... فمثلك لا يعرف التعب وان كان التعب من سنن الحياة ....حارت عيناه وهو يتذكر ايام صباه وشبابه ...حينما كانت تقسو عليه الشمس فينظر إليها فتخجل من إرادته وتسلب القسوة من اشعتها ، فتصير عليه بردا وسلاما...
لم يوقظه من سكرته تلك الا وخزة في ظهره ، والما في أوصاله من أثر حملِهِ حزمةً من العشب والخضرة لمواشيه ... آهة مكلومة تمنعه عِزّةُ نفسه أن يخرجها عبر لسانه ، يشعر بعد تلك الوخزة بأنه كبر وشاخ .
"هل تعبت يا سعيد؟ تعالى ارتاح ....شكلك تعبان! "
صوت زوجته البائس يدق أذنيه دقاً.
وللمرة الاولى ينتابه الشعور بالقلق على حياته ....
يُحدّث سعيد نفسه :
"ماذا تنتظر يا سعيد وقد قاربت الخمسين ؟ " ....
"لكن اولادي مازالوا صغارا ... ولم اكمل رسالتي بعد "
لم يُعِر زوجته انتباها .... كرامته اكبر من ان يركن إليها وإلى كلامها .. واذا ارتكن إليها مرة فسوف يتعود الكسل .
ينظر إلى الشمس ... تتحداه الشمس هذه المرة .... لم يعد كما كان بنفس القوة والقسوة ...
يرفع كوب الماء ... ينهل منه ويسيل بعضه ليتخلل لحيته المتناثرة على وجهه بلا نظام ... وقد كانت جرعة واحدة تكفيه ليكمل شغلته في ري حقله .... ترنو إليه زوجته باهتمام وشفقة ... لا يأبه لنظراتها ويتحسس خطاه تجاه الترعة ... يفتح للماء ليشق طريقه للأرض الحبلى بخيرات الله ... خرير الماء يبعث في الرجل الحياة ... لا فائدة من الخور و لا بد من استكمال الرسالة ، ينظر للسماء ..فلا يستطيع هذه المرة ...فيمسح بسبابته المثنية عرق جبينه ... يأخذ نفسا عميقا ..فيرى ابنه في الأفق عائدا للتو من المدرسة ويحمل حقيبته على ظهره فيبتسم ليقنع الحياة بالاستمرار ؛ فلا استسلام اذا عرفت شفتاك معنى أن تكون مبتسما ... ينظر خلفه فيجد زوجته تبادله نفس الابتسامة.. فيبتسم الرجل ملء وجهه ويرفع فأسه ... ينزل بها بقوة ليفتح الحياة لأول عود قمح يرشف قطرة الماء من النهر الخالد .
تمت.....
جمهورية مصر العربية
كتبتها في الرياض... السعودية

رائعة
ردحذفبفضل الله ثم تشجيعكم يا أبا عبدالله
حذفرائعه يا دكتور يسري ... مبروك النشر لاول مره .. عقبال نشر قصصك و طباعتها
ردحذفف
رائعه يا دكتور يسري ... مبروك النشر لاول مره .. عقبال نشر قصصك و طباعتها
ردحذفف
ان شاء الله.. دعواتكم
حذفاحسنت القول والتعبير يا استاذ يسري يا كبيييير
ردحذفاحسن الله إليك اخي الكريم
حذفأتقدم بالشكر لرابطة الأدباء العرب ولكل من أتاح لي الفرصة للظهور بهذا الشكل الجميل الراقي.... والشكر موصول لمن تابع وعلق
ردحذفشيقة جدا يا دكتور ما شاء الله
ردحذفويا ريت تمتعنا بنشر باقى مقالاتك وقصصك الجميلة فى هذا المنتدى المحترم
الله ينور يادكتور مقاله رائعه ونتمنى المزيد
حذف