تحليل نص (سقطت سهواً) للناقد المبدع ((أ.بندر مجمل))
تراجيديا الحرب و فضاءات الصورة في نسيج القصة العربية المعاصرة... قصة " سقطت سهواً " للأديبة أميمة معتوقي أنموذجاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أ / بندر علي مجمل
التراجيديا الموحشة وأسقاطاتها الإيحائية على المكونات العضوية في القصة العربية... قصة " سقطت سهواً " للأديبة انموذجاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أ / بندر علي مجمل
تعد القصة القصيرة من الأنماط الأدبية التي لها حيز واسع في الأدب العربي، والقصة متعددة الانواع، متعددة الخصائص و الأساليب التي تخضع للحبكة السردية ذات المقومات الحكائية المرتبطة بوحدة موضوعية عضوية مكتملة الفكرة تبداء بسرد الأحداث و تنتهي بنهاية القصة، و تكون القصة القصيرة رمزية أو غرامية أو اجتماعية أو سياسية أو غيرة، مصنفة تحت التصنيفات الدراماتيكية التي تتكون في عمقها الموضوعي تحت إحدى القوائم الدرامية الثلاثة التراجيديا ــ الدراما ـــ الكوميديا، و لا اجازف على أن تلك التخصصات ربما لا تنطبق إلى حد ما على القصة القصيرة في بعض الأحيان، فإنها قد ربما تكون مبهمة و تحمل أبعاد عديدة وفقاً للتأويلات الدلالية، فقد تحمل دلالة متشعبة قد ينظُر إليها من عدة إتجاهات و خاصة القصة القصيرة الحديثة والمعاصرة التي تتميز إلى حد ما بالتصوير الدلالي المفتوح، و التأثيرات التي أكتسبتها من الأصناف الأدبية العالمية بفعل الإنفتاح على الآداب المتنوعة و حاول بعض الكتاب العرب تقليد تلك الأنماط القصصية.
و سنتاول في هذه الحلقة قصة صغيرة لها نفس إبداعي حاضر الوجدان، تحمل في مكنوناتها السردية مضامين لواقع أليم مرسوم بنهم إبداعي متمكن لنقل صورة تراجيدية من خصم الواقع المعاش، ذلك الواقع المهيمن على سيرورة الحياة العربية المعاصرة التي تركت أثر مرير في نفسية الإنسان العربي بفعل تصاعد الأحداث المريرة و مكابداتها و معايشة الأدباء لتلك الأحداث و لنتوقف معاً عند العنوان " سقطت سهواً " الذي يوحي و منذ الوهلة الأولى بالانكسار المتمكن من الأنا بدلالة فعل المضارع متجدد الوقوع و المتجه صوب المستقبل المعتم " سقط " و أسناده لتاء الفاعل " سقطت " و المشبع بالحدث الخارج عن الإرادة و التحكم الفعلي لسيرورة السقوط بدلالة لفظ " سهواً " المشبع بالدلالة المفتوحة القابلة لعدة تأويلات.
و قبل الخوض في جماليات النص نتوقف لحظة عند المكونات القصصية للقصة.
١ ــ الشخصيات : ــ
أ ــ الشخصيات الأساسية العجوز"الذات السارة للقصة "
ب ــ الشخصيات الثانوية شخصيات تجسيدية
الابناء ـــ الرهائن ــ الكهلة ــ سراديب السلام ــ النجوم ــ التاريخ ــ الفراشات ــ الغراب
٢ ــ المكان : ــ المكان الأساسي القرية ــ السهول
مكان ثانوي مجرة ثانية
٣ ــ الحدث: ــ الحرب
٤ ــ الزمن: ــ زمن مبهم و قد نستشهد بتاريخ
كتابة النص، وقد نستطيع أن نصنفه زمن الحرب
٥ ــ الأجواء:- ملبدة بالحزن والخراب الطاغي على السيرورة الحكائية بمزيج لعناصر الدمار المجسد بتشخيص أستعاري و لافتقار القصة لشخصيات تفاعلية قضى على حضورها هيمة الحرب و غيابها الفعلي مما جعل القاصة تلجأ إلى تدوير لشخصيات من عمق التواجد للعناصر المتبقية في البؤرة المكانية بخيال أبرز مضامين لعناصر الحرب و الهجرة والموت بصريقة محنكة تجعل القصة أكثر تصويراً للسلسة الحدثية.
٦ ــ التفاصيل: ـ
تدور أحدث القصة في قرية شهدت حرب طاحنة أكلت الأخضر و اليابس و قتلت الرجال والشباب حتى لم يتبقى منهم سوى المرأة العجوز و الكهلة و تركت قتلى كثير حتى لم تعد صالحة للعيش فيها و تلوح رغبة الهجرة حتى لمكونات الطبيعة بعد غروب فرصة أحلال السلام الذي لم يستثمره أحد في زمن الحرب و انتهت الأحداث بنهاية مأساوية للعجوز التي قضت نحبها بذبحة صدرية.
و لو نظرنا إلى النص من الناحية الجمالية لوجدنا أنه يشكل لوحة تراجيدية مفعمة بألوان لغوية و أسلوبية تعج بأنساق سردية لإيحاءات ذات وحدة عضوية متجانسة متناسقة التنقل الحدثي بتمكن شديد على المحافظة على المقومات القصصية منذ البداية حتى نهاية القصة بحبكة قصصية متوحدة البناء السردي عبر منعطفات المجريات الحكائية فقد بدأت الأنا بأفتاحية مبهرة قأئمة على الثنائيات الضدية بمقارنة لغوية مبهرة لعنصر المكان( من ثقب صغير ــ جدار غرفتها المتهالكة ــ العالم بأكمله ) مروراً بالعرض المبهر و المتناسق للمقامات القصصية بتصوير شامل لمكونات الدمار التي تركت أثر بالغ على جميع المكونات في سيرورة الحياة جراء الأحداث حربية (حرب تمضغ النيران اطرافها ــ سهول تغطيها زروع حمراء ــ تصافح شواهد القبور ــ مشبوب بأوراق الخريف ــ ملوحاً بالتهديد ــ تحولت إلى حين غرة ــ نعيق غراب يستنهض البؤس ذبحة صدرية أزهقت روح الغربال )
لتختم القصة بنهاية مأساوية تعكس لنا بعداً استراتيجي مرموق يعكس لنا براعة القاصة بأختيار نهاية مغايرة لنهايات المتوقعة عن طريق التوقيت للنهاية و عنصرالنهاية( ذبحة صدرية أزهقت روح الغربال ) بينما ظلت الأنا الساردة عايشة تعاني المرارة وحيدة فوق سريرها(عادت لسريرها متمتمة رحم الله من تركوني) و على الرغم من السرد الحكائي المختصر إلا أن الحبكة القصصية مكتملة الفكرة ملمة بشمولية الحدث المتنقل عبر أزمنة متعددة دون وجود ثغرة لفوضوية الزمن و الحدث مما يعكس أن القاصة ذات دراية في مفاصل البناء السردي لروح القصة و لها خبرة واسعة و تمكن شديد في توظيف البنى السردية المتخصصة للقصة.
* فضاءات الصورة و أبعادها الدلالية في القصة : ــ
تتمتع قصة(سقطت سهواً) بعذوبة الحبكة القصصية و النمط الأسلوبي المتحذلق في سراديب اللغة و النضج الأدبي المشبع بالدراية القصصية المتخصصة بفن كتابة القصة ومتطلباتها الإيحائية و الدلية و عناصرها الفعالة القائمة على المتعة والتشويق وعناصر المفاجأة و التمكن الحكائي الجذابة، التي تجعل من القصة ناجحة إلى أبعد حد طالما إذا أستطاع القاص تحاشي فجوات الملل والعبور الزمني و الحدثي الممل للكينونة الحكائية، و أجاد روح الحبكة بتمكن مبهر للمكونات النصية الفنية و الجماليات الأسلوبية التي تميز العمل الأدبي عن غيره.
و قد استطاعت الأنا الساردة تقمص دور بطولي في القصة على لسان بطلة القصة الساردة لاحداثيات الحكاية بشكل حواري مباشر و غير مباشر بظهور بارز في سيرورة النص و سيرورة الحدث المزهو بفلسفة لغوية و دلالية مرنة لغرض أشباع البناء الموضوعي للمكمنات النص، و المحافظة على تنسيق النسق الحكائي السلسل والمبطن و أيصال الفكرة الجوهرية لموضوعية النص بمتطلبات الصورة و التجسيد البلاغي و اللغوي، بأسلوبية متطورة قائمة على عناصر المتعة والتشويق و الأبهار و دغدغة المشاعر الإنسانية، غير تقنيات النقل الخيالي التصويري المأهول بضخامة التصور الحسي التقريبي لأساسية الفكرة و أيصالها إلى المتلقي بطريقة ناضجة قادرة على ترك أثر بالغ في نفسيته، و قدرتها على جذبه إلى مجريات الأحداث و معايشته لها بإيحائات خيالية متفاعلة عن طريق الإتصال الخيالي و أنسيابات الحقل الدلالي الفعال، لما تحمله من رسالة سامية مكتملة الفكرة والوحدة الموضوعية للبناء اللغوي و الرؤية الدرامكتية.
و لو خضنا في غمار المشاهد الحكائية لتبين لنا أنها قائمة على استحضار الحالة النفسية و الحسية، اذ بدأت قصتها باستهداف مباشر لعناصر التلاقي(الأنا الساردة ــ الأخر ــ المتلقي ) عن طريق تقنية حوارية مباشرة قائمة على الأنتقال اللغوي الجذاب بفاعلية الجار و المجرور " من ثقب صغير للغاية " بمكونات متناهية الصغر " يكاد يكون خرم أبرة " بأطلاقة غير أعتيادية تدفع فضاءات النص نحو الشروع بالسرد لمجريات القصة عبر توسع الرقعة الزمكانية باستحضار بعد حكائي قائم على حاسة البصر بأبعادها الدلالية الراسخة بالمشاهدة العينية و كينونتها العميقة لثبوت الحدث و الخبر اليقين لنقل صورة من عمق مكان وقوع الحدث " جدار غرفتها المتهالكة رأت العالم بأسره " مرتكزة على أرتكازات جوهرية لواقع ملموس معاش بجميع تفاصيلة الحدثية عبر نقطة عبور "من ثقب صغير" نحو متسع و شمولية الخارج " رأت العالم بأكمله " بتقيات الصورة البصرية المبثقة من ظلامية المكان و جبروته القاهر " حرب تمضغ النيران اطرافها " التي من شأنها نقل مشاهد تراجيدية من فوضوية المكان يقينية معززة بعنصر الروية العينينية بدلالة لفظ "رأت" لتجعل المتلقي أكثر أنتباة لخوض غمار مواكبة الحدث عبر تقنية التصوير الخيالي بقدرات تتبع الحدث أول بأول وفق سيرورة سردية عميقة الحكبة تحمل مفاهيم مكتنزة الدلالة مدعمة بعناصر الجذب والتشويق الكامنة بمنعطفات الفلسفة اللغوية و الأسقاطات النفسية للذات المبدعة
بعزف عاطفي عاصف متفاعل مع شخصية القصة الساردة التي أختيرت بعناية فائقة " ملامح أمرأة عجوز مات جميع أبنائها " لتثير الشفقة والتعاطف في نفسية المتلقي من عدة جوانب شفقة لعنصر الشخصية بكنونتها الأنثوية الضعيفة "أمرأة" و لعنصر السن و ما يتطلب من رعاية و عناية مفقودة " عجوز " و لعنصر الوحدة و قساوة ظروف الشخصية التي تعايش فاجعة أليمة و هي فاجعة "الموت " بكينونتها المفزعة و الحزينة، لتجعل الشخصية ذات أبعاد تمثل بحد ذاتها مزيج لعظمة المشهد التراجيدي الذي فرض حصار خانق على شخصية العجوز " غرفتها المتهالكة + حرب تمضع + مات جميع أبنائها " لتكون مثالاً حي لوحشية واقع أكثر وحشية رسم خارطته الدمار والخراب الذي جسدته الصورة الكنائية(زروع حمراء ــ سنابل رائحة شوائها ) الدالة على أستفحال الحياة بواقع المكان المنكوب " قريتها " بأنزياح دلالي لعناصر الخير و العطاء " زروع ــ سنابل " أخرجهما عن طورهم المفعم بالخير الأمن المترع بالغذاء ومتطلبات الحياة إلى طور قاهر مفعم بوحشية الحريق بدلالة " حمراء " المتوهجة مدعمة بصورة حاسية لحاسة الشم وأبعادها المنشرة على ربوع المكان بدالة " رائحة " المتجهة الأنتشار السريع لهيمة الحريق القاهرة التي التهمت عناصر البقاء بكل مكوناتها " زروع ــ سنابل " و التي تقود المشهد التراجيدي صوب وضع أكثر وحشية للفناء القاهر لم يتوقف عند عنصر الطبيعة بل أمتد ليشمل عنصر الأنسان " لم يبق إلا الكهلة " ليغدو المكان مكدس بالقهر و الفناء بتعابير لغوية مقتضبة لواقعية فرضتها الحرب و قضت على مكونات المكان " قريتها " في سيرورة بناء حكائي مفعم بالوحشية القاهر التي حولت فضاءات الفرح والبهجة " ضحكات الأطفال " إلى فضاءات الفناء الأزلي المرمد " فراشات تبتلعها السماء ــ شواهد القبور " بتصوير خيالي ناضج نقل للمتلقي شمولية الوضع المسيطر على المكان بصورة قصصية مختصرة و مؤثرة و مكتملة الفكرة والمغزى القصصي بمقابة لواقعين منفصلين قبل الحرب " سهول ــ ضحكات الأطفال ــ خبز قريتها " و بعد الحرب " مات جميع أبنائها ــ تصافح شواهد القبور " بمقطع درامي مكتمل البناء الموضوعي والعضوي للقصة مستوحاة من واقع معاش في بؤرة مكان شهد الأحداث القصصية مشبع بطرق الأثارة والتشويق حافل بغدق الصور الحسية لحاستي البصر والشم و تأثيراتهم بتماشي مع البعد العاطفي والوجداني المستحضر بغزارة في المشهد الترجيدي المؤثر و الأسقاطات الذاتية للذات الساردة. و للمشاهد السابقة ترابط قصصي خاضع لفرضيات كانت متاحة للحفاظ على الرونق الجمالي للمكان مرتكز على عنصر السلام بدلالة( سراديب السلام ) للخروج من فوضوية الحرب " كانت تلوح بالنور " بصورتها الأستعارية القائمة على التشيخص الأستعاري حيث شبه سراديب السلام بشخص يلوح بيده للنور المنبثق من صورة للكناية عن مخرجات السلام إلى الواقع، والتي سرعان ما تلاشت " بأوراق الخريف و ذبابات تلوك الأدمعة ــ يمد التاريخ بيده ملوحاً بالتهديد " بعمق الصورة البلاغية و الدلالية التي ترمز إلى منعصات السلام " ذبابات تلوك الأدمغة " و تساقطه بدلالة " اوراق الخريف " بكينونة التساقط المرمد المستوحاة من واقع أوراق الخريف و صولاً إلى حتمية الأنكسار والرضوخ لهيمة الدمار و الهلاك القاهرة( و أنتهت الرواية بذبحة حادة أزهقت روح الغربال ) اذ كانت النهاية معبرة عن نهاية ليس لبطلت القصة بل للمكون العام " الغربال " ببعده الدلالي المرن و الذي يأخذ الفضاءالدلالي نحو رؤية عميقة جداً و مغزى بعيد يرنو إلى سقوط ميزان القيم و التعايش الذي أدى إلى خلل بالنظام العام.
و بقاء العجوز بسريرها تكابد المرارة والأسى و تمارس مع ذاتها جلد الذات و الأنكسار المرمد و معايشة الألم و الوحدة.
أ / بندر علي مجمل ــ اليمن ٢ / ٥ / ٢٠٢٣م

تعليقات
إرسال تعليق